أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
108
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فبينما هو في مصر يسير ، وإذا هو بفقير جالس على الطريق كسير ، فناوله شيئا يسد به خلته ، ويجبر به فقره وكسرته ، فكاشفه ذلك الفقير بلفظ معلوم ، وكشف له عن السر المكتوم ، وقال : لا تقعد في هذه الديار فإنك سلطان الروم ، فصدع بهذا الكلام قلبه ، فأخذ في إعداد الأهبة ، وقطع الأعلاق ، ودخل الطريق صحبة الرفاق . ولما وصل إلى سيواس ، ابتهج به والده وأعيان الناس ، وشيد له بين الخلق أشد بنيان وأشد أساس ، وشرع في إلقاء الدروس ، ومصاحبة الأعيان والرؤوس ، وكان ذا همة أبيه ، وراحة سخية ، ونفس زكيه ، وخصائل رضيه ، وشمائل مرضيه ، وتحرير شاف ، وتقرير واف ، يحقق كلام العلماء ، ويدقق النظر في مقالات الفضلاء ، وله مصنفات في المعقول ، ولطائف في المنقول ، ينظم الشعر الرقيق ، ويعطي عليه العطاء الجليل ، ويعجبه اللفظ الدقيق ، ويثيب عليه الثواب الجزيل ، وهو في ذلك يتزيا بزي الأجناد ، ويسلك طريقة الأمراء من الركوب والإصطياد ، ويلازم أبواب السلطان ، ويتخذ الخدم والأعوان ، فمات السلطان عن ولد صغير ، فأجلسوه على السرير ، وكان عنده من أعيان الأمراء ، ورؤوس الوزراء ، أناس منهم غضنفر بن مظفر ، وفريدون وابن المؤيد ، وحاجي كلدي وحاجي إبراهيم وغيرهم ، ومن أكبرهم أبو القاضي برهان الدين فصار هؤلاء الأمراء ، والرؤوس من الوزراء والكبراء ، يدبرون مصالح الرعية ، ولا يفصلون إلا بالاتفاق ما يقع من قضية . فمات أبو القاضي برهان الدين وتولى ولده مكانه ، وفاق بالعلم وحسن السياسة أباه وأقرانه ، ففرق ولايات ذلك الإقليم ، على : ابن المؤيد ، وحاجي كلدي ، وحاجي إبراهيم ، فبقي حوالي السلطان محمد : فريدون ، وغضنفر ، وبرهان الدين أحمد ، ثم توفي السلطان محمد ، عن غير ولد ، فبقيت الولاية بين الثلاثة ، على سبيل الاشتراك وراثة ، وقلما اتفقت ضرتان على زوج واحد والتقتا و لَوْ كانَ فِيهِما